سيد محمد طنطاوي
134
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ننزه اللَّه - تعالى - عما قاله السفهاء في شأنه . . وإذا كنا قد اتبعناهم قبل إيماننا ، فسبب ذلك أننا صدقنا هؤلاء السفهاء فيما قالوه لنا ، وما كنا نعتقد أو نتصور أو نظن أن هؤلاء السفهاء يصل بهم الفجور والكذب . . إلى هذا الحد الشنيع . وقوله : * ( كَذِباً ) * مفعول به لتقول ، أو صفة لمصدر محذوف ، أي : قولا مكذوبا . ثم حكى - سبحانه - عنهم تكذيبهم لما كان متعارفا عليه في الجاهلية من أن للجن سلطانا على الناس ، وأن لهم قدرة على النفع والضر . . . فقال - تعالى - : * ( وأَنَّه كانَ رِجالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً . . ) * . وقوله : * ( يَعُوذُونَ ) * من العوذ بمعنى الاستجارة بالشيء والالتجاء إليه طلبا للنجاة . والرهق : الإثم وغشيان المحارم . . قال صاحب الكشاف : والرهق : غشيان المحارم ، والمعنى : أن الإنس باستعاذتهم بهم - أي بالجن - زادوهم كفرا وتكبرا . وذلك أن الرجل من العرب كان إذا أمسى في واد قفر في بعض مسايره ، وخاف على نفسه قال : أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه ، يريد الجن وكبيرهم ، فإذا سمعوا ذلك استكبروا وقالوا : سدنا الجن والإنس ، فذلك رهقهم ، أو : فزاد الجنّ والإنس رهقا بإغوائهم وإضلالهم لاستعاذتهم بهم . . « 1 » . فالمقصود من الآية الكريمة بيان فساد ما كان شائعا في الجاهلية - بل وفي بعض البيئات حتى الآن - من أن الجن لهم القدرة على النفع والضر وأن بعض الناس كانوا يلجئون إليهم طلبا لمنفعتهم وعونهم على قضاء مصالحهم . وإطلاق اسم الرجال على الجن ، من باب التشبيه والمشاكلة لوقوعه من رجال من الإنس ، فإن الرجل اسم للمذكر البالغ من بني آدم . وقوله - سبحانه - : * ( وأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّه أَحَداً ) * . بيان لما استنكره هؤلاء النفر المؤمنون من الجن على قومهم الكافرين . وعلى من يشبهونهم في الكفر من الإنس . أي : وأنهم - أي الإنس - ظنوا واعتقدوا * ( كَما ظَنَنْتُمْ ) * واعتقدتم أيها الجن ، أن اللَّه - تعالى - لن يبعث أحدا بعد الموت ، وهذا الظن منهم ومنكم ظن خاطئ فاسد ، فإن البعث حق ، وإن الحساب حق ، وإن الجزاء حق .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 624 .